تفسير سورة القصص
مكية، إلا {إن الذي فرض} الآية نزلت بالجحفة وإلا {الذين آتيناهم الكتاب} إلى {لا نبتغي الجاهلين}. وهي سبع ـ أو ثمان ـ آية
الآية 1 - 13 الآية 14 - 28 الآية 29 - 43
إلى أعلى
-1 {طسم} الله أعلم بمراده بذلك. 2- {تلك} أي: هذه الآيات {آيات الكتاب} الإضافة بمعنى "من" {المبين} المظهر الحق من الباطل. 3 -{نتلو}: نقص {عليك من نبإ} خبر{ موسى وفرعون بالحق} الصدق {لقوم يؤمنون} لأجلهم لأنهم المنتفعون به. 4- {إن فرعون علا} تعظم {في الأرض} أرض مصر {وجعل أهلها شيعا}: فرقا في خدمته {يستضعف طائفة منهم} هم بنو إسرائيل {يذبِّح أبناءهم} المولودين {ويستحيي نساءهم} يستبقيهن أحياء لقول بعض الكهنة له: إن مولودا يولد في بني إسرائيل يكون سبب زوال ملكك {إنه كان من المفسدين} بالقتل وغيره. 5- {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة} بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ياء يُقتدى بهم في الخير {ونجعلهم الوارثين} ملك فرعون -6 {ونمكِّن لهم في الأرض}: أرض مصر والشام {ونُري فرعون وهامان وجنودهما} وفي قراءة: ويرى بفتح التحتانية والراء ورفع الأسماء الثلاثة {منهم ما كانوا يحذرون}: يخافون من المولود الذي يذهب ملكهم على يديه -7 {وأوحينا} وحي إلهام أو منام {إلى أمِّ موسى} وهو المولود المذكور ولم يشعر بولادته غير أخته {أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم}: البحر، أي: النيل {ولا تخافي} غَرَقَه {ولا تحزني} لفراقه {إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين} فأرضعته ثلاثة أشهر لا يبكي، وخافت عليه، فوضعته في تابوت مطلي بالقار من داخل،مُمَهَّد له فيه، وأغلقته وألقته في بحر النيل ليلا. 8- {فالتقطه} بالتابوت صبيحة الليل {آل} أعوان{فرعون} فوضعوه بين يديه وفتح، وأُخرج موسى منه وهو يمصُّ من إبهامه لبنا {ليكون لهم} في عاقبة الأمر {عدوا} يقتل رجالهم {وحزنا} يستعبد نساءهم، وفي قراءة[حزنا] بضم الحاء وسكون الزاي، لغتان في المصدر وهو هنا بمعنى اسم الفاعل من: حزنه، كأحزنه {إن فرعون وهامان} وزيره {وجنودهما كانوا خاطئين} من الخطيئة أي: عاصين فعوقبوا على يديه. 9- {وقالت امرأة فرعون} وقد هم مع أعوانه بقتله: هو {قرت عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا} فأطاعوها { وهم لا يشعرون} بعاقبة أمرهم معه. 10-{وأصبح فؤاد أم موسى} لما علمت بالتقاطه {فارغا} مما سواه {إن} مخففة من الثقيلة واسمها محذوف أي: إنها {كادت لتبدي به} أي: بأنه ابنها {لولا أن ربطنا على قلبها} بالصبر أي: سكناه {لتكون من المؤمنين}: المصدقين بوعد الله، وجواب "لولا" دل عليه ما قبلها. 11 -{وقالت لأخته} مريم: قصيه اتبعي أثره حتى تعلمي خبره {فبصرت به}: أبصرته {عن جنب}: من مكان بعيد اختلاسا {وهم لا يشعرون} أنها أخته وأنها ترقبه، 12 -{وحرمنا عليه المراضيع من قبل} أي: قبل ردِّه إلى أمه أي: منعناه من قبول ثدي مرضعة غير أمه فلم يقبل ثدي واحدة من المراضع المحضرة له {فقالت} أخته: {هل أدلكم على أهل بيت} لما رأت حنوهم عليه {يكفلونه لكم} بالإرضاع وغيره {وهم له ناصحون} وفسرت ضمير "له" بالملك جوابا لهم، فأجيبت، فجاءت بأمه فقبل ثديها، وأجابتهم عن قبوله بأنها طيبة الريح طيبة اللبن فأذن لها في إرضاعه في بيتها فرجعت به كما قال تعالى: 13 -{فرددناه إلى أمه كي تقرَّ عينها} بلقائه {ولا تحزن} حينئذ {ولتعلم أنَّ وعد الله} برده إليها {حق ولكن أكثرهم} أي: الناس {لا يعلمون} بهذا الوعد ولا بأن هذه أخته وهذه أمه فمكث عندها إلى أن فطمته وأجري عليها أجرتها لكل يوم دينار وأخذتها لأنها مال حربي فأتت به فرعون فتربَّى عنده كما قال تعالى حكاية عنه في سورة الشعراء: {ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين}.
إلى أعلى
14- {ولما بلغ أشُدَّه} وهو ثلاثون سنة، أو وثلاث {واستوى} أي: بلغ أربعين سنة {آتيناه حكما}: حكمة {وعلما}:فقها في الدين قبل أن يبعث نبيًّا {وكذلك} كما جزيناه {نجزي المحسنين} لأنفسهم. 15- {ودخل} موسى {المدينة}: مدينة فرعون وهي مَنْف، بعد أن غاب عنه مدة {على حين غفلة من أهلها} وقت القيلولة {فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته} أي: إسرائيلي {وهذا من عدوه} أي: قبطي يسخر الإسرائيلي ليحمل حطبا إلى مطبخ فرعون {فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه} فقال له موسى: خل سبيله، فقيل: إنه قال لموسى: لقد هممت أن أحمله عليك {فوكزه موسى} أي: ضربه بجمع كفه، وكان شديد القوة والبطش {فقضى عليه} أي: قتله ولم يكن قصد قتله، ودفنه في الرمل {قال هذا} أي: قتله {من عمل الشيطان} المُهَيِّج غضبي {إنه عدوّ} لابن آدم {مضل له مبين} بين الإضلال.16 - {قال} نادما: {رب إني ظلمت نفسي} بقتله {فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم} أي: المتصف بهما أزلا وأبدا. 17- {قال رب بما أنعمت}: بحق إنعامك {عليَّ} بالمغرفة اعصمني {فلن أكون ظهيرا} عونا {للمجرمين} الكافرين بعد هذه إن عصمتني. 18- {فأصبح في المدينة خائفا يترقب} ينتظر ما يناله من جهة القتيل {فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه}: يستغيث به على قبطي آخر {قال له موسى إنك لغوي مبين}: بين الغواية لما فعلته بالأمس واليوم. 19 - {فلما أن} زائدة {أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما} لموسى والمستغيث به {قال} المستغيث -ظانا أنه يبطش به لما قال له-: {يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن}: ما {تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين} فسمع القبطي ذلك، فعلم أن القاتل موسى، فانطلق إلى فرعون فأخبره بذلك، فأمر فرعون الذباحين بقتل موسى، فأخذوا في الطريق إليه.20- {وجاء رجل} هو مؤمن آل فرعون {من أقصى المدينة}: آخرها {يسعى} يسرع في مشيه من طريق أقرب من طريقهم {قال يا موسى إن الملأ} من قوم فرعون {يأتمرون بك}: يتشاورون فيك {ليقتلوك فاخرج} من المدينة {إني لك من الناصحين} في الأمر بالخروج 21- {فخرج منها خائفا يترقب} لحوق طالب أو غوث الله إياه {قال رب نجني من القوم الظالمين} قوم فرعون. 22- { و لما توجّه}: قصد بوجهه { تلقاء مدين}: جهتها، و هي قرية شعيب، مسيرة ثمانية أيام من مصر سُميت بمدين إبراهيم ولم يكن يعرف طريقها {قال عسى ربي أنْ يهديني سواء السبيل} أي: قصد الطريق، أي: الطريق الوسط إليها، فأرسل الله له ملكاً بيده عنزة، فانطلق به إليها. 23- { ولما ورد ماء مدين}: بئر فيها، أي: وصل إليها { ووجد عليه أُمةً}: جماعةً { من الناس يسقون} مواشيهم { ووجد من دونهم} أي: سواهم {امرأتين تذودان}: تمنعان أغنامهما عن الماء . { قال} موسى لهما: { ما خطبكما} أي: ما شأنكما لا تسقيان ؟ { قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء} -جمع راع، أي: يرجعون من سقيهم خوف الزحام- فنسقي، وفي قراءة: يُصْدِر من الرباعي، أي: يصرفوا مواشيهم عن الماء { و أبونا شيخ كبير} لا يقدر أن يسقي. 24- { فسقى لهما} من بئر أُخرى بقربهما، ورفع حجرًا عنها لا يرفعه إلا عشرة أنفس { ثم تولى}: إنصرف { إلى الظل} لسمرة، من شدة حر الشمس، وهو جائع { فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير}: طعام { فقير}: محتاج، فرجعتا إلى أبيهما في زمن أقل مما كانتا ترجعان فيه : فسألهما عن ذلك، فأخبرتاه بمن سقى لهما، فقال لإحداهما: ادعيه لي. 25- قال تعالى { فجاءته إحداهما تمشي على إستحياء} أي: واضعةً كُمَّ درعها على وجهها حياء منه {قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا} فأجابها منكرا في نفسه أخذ الأجرة، كأنها قصدت المكافأة إن كان ممن يريدها، فمشت بين يديه فجعلت الريح تضرب ثوبها فتكشف ساقيها، فقال لها: امشي خلفي ودلينني على الطريق، ففعلت إلى أن جاء أباها، وهو شعيب عليه السلام، وعنده عشاء، فقال له، اجلس فتعش قال: أخاف أن يكون عوضا مما سقيت لهما، وإنا أهل بيت لا نطلب على عمل خير عوضا، قال: لا، عادتي وعادة آبائي نقري الضيف، ونطعم الطعام، فأكل وأخبره بحاله، قال تعالى: {فلما جاءه وقص عليه القصص}، مصدر بمعنى المقصوص، من قتله القبطي، وقصدهم قتله وخوفه من فرعون {قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين} إذ لا سلطان لفرعون على مدين 26- {قالت إحداهما}: وهي المرسلة، الكبرى أو الصغرى: {يا أبت استأجره} اتخذه أجيرا يرعى غنما أي: بدلنا {إن خير من استأجرت القوي الأمين} أي: استأجره لقوته وأمانته، فسألها عنه فأخبرته بما تقدم من رفعه حجر البئر، ومن قوله لها: امشي خلفي، وزيادة أنها لما جاءته وعلم بها، صوب رأسه، فلم يرفعه، فرغب في إنكاحه 27- {قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين}: وهي الكبرى أو الصغرى {على أن تأجرني}: تكون أجيرا لي في رعي غنمي {ثماني حجج} أي: سنين {فإن أتممت عشرا} أي: رعي عشر سنين {فمن عندك} التمام {وما أريد أن أشق عليك} باشتراط العشر {ستجدني إن شاء الله} للتبرك {من الصالحين} الوافين بالعهد. 28 -{قال} موسى: {ذلك} الذي قلته {بيني وبينك أيما الأجلين} الثمان أو العشر، و"ما" زائدة أي: رعيه {قضيت} به أي: فرغت منه {فلا عدوان عليَّ} بطلب الزيادة عليه {والله على ما نقول} أنا وأنت {وكيل} حفيظ أو شهيد، فتمَّ العقد بذلك، وأمر شعيب ابنته أن تعطي موسى عصا يدفع بها السباع عن غنمه وكانت عصيُّ الأنبياء عنده، فوقع في يدها عصا آدم من آس الجنة فأخذها موسى بعلم شعيب.
إلى أعلى
29 - {فلما قضى موسى الأجل} أي: رعيه، وهو ثمان أو عشر سنين، وهو المظنون به {وسار بأهله}: زوجته بإذن أبيها نحو مصر {آنس}: أبصر من بعيد {من جانب الطور}: اسم جبل {نارا قال لأهله امكثوا} هنا {إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر} عن الطريق وكان قد أخطأها {أو جذوة} بتثليث الجيم: قطعة وشعلة من النار {لعلكم تصطلون} تستدفئون، والطاء بدل من: تاء الافتعال من صلي النار، بكسر اللام وفتحها. 30- {فلما أتاها نودي من شاطئ} جانب {الواد الأيمن} لموسى {في البقعة المباركة} لموسى لسماعه كلام الله فيها من الشجرة بدل "من شاطئ" بإعادة الجار لنباتها فيه، وهي شجرة عناب أو عليق أو عوسج أن مفسرة لا مخففة {يا موسى إني أنا الله رب العالمين} -31 {وأن ألق عصاك فألقاها فلما رآها تهتز} تتحرك {كأنها جان}: وهي الحية الصغيرة من سرعة حركتها {ولى مدبرا}: هاربا منها {ولم يعقب} أي: يرجع {فنودي يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين}. 32 - {اسلك}: أدخل {يدك} اليمنى بمعنى الكفّ {في جيبك} هو طوق القميص وأخرجها {تخرج} خلاف ما كانت عليه من الأدمة {بيضاء من غير سوء} أي: برص، فأدخلها وأخرجها تضيء كشعاع الشمس تغشى البصر {واضمم إليك جناحك من الرهب}، بفتح الحرفين، وسكون الثاني مع فتح الأول وضمه، أي: الخوف الحاصل من إضاءة اليد، بأن تدخلها في جيبك، فتعود إلى حالتها الأولى، وعبر عنها بالجناح لأنها للإنسان كالجناج للطائر {فذانك}، بالتشديد والتخفيف أي: العصا واليد، وهما مؤنثان، وإنما ذُكِّرَ المشار به إليهما -المبتدأ- لتذكير خبره {برهانان} مرسلان {من ربك إلى فرعون وملائه إنهم كانوا قوما فاسقين} . 33-{قال رب إني قتلت منهم نفسا} هو القبطي السابق {فأخاف أن يقتلون} به. 34 -{وأخي هارون هو أفصح مني لسانا}: أبين {فأرسله معي ردءا}: معينا، وفي قراءة: [ردا] بفتح الدال بلا همزة {يُصدِّقني} بالجزم جواب الدعاء وفي قراءة: [يُصَدِّقُني] بالرفع، وجملته صفة "ردءا" { إني أخاف أن يكذبون}35. - {قال سنشد عضدك}: نقويك {بأخيك ونجعل لكما سلطانا}: غلبة {فلا يصلون إليكما} بسوء، اذهبا{بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون}لهم. 36-{فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات}: واضحات، حال {قالوا ما هذا إلا سحر مفترى}: مختلق {وما سمعنا بهذا} كائنا {في} أيام {آبائنا الأولين}. 37- {وقال}، بواو وبدونها {موسى ربي أعلم} عالم {بمن جاء بالهدى من عنده} الضمير للرب {ومن}، عطف على"من" قبلها {تكون} بالفوقانية والتحتانية {له عاقبة الدار} أي: العاقبة المحمودة في الدار الآخرة، أي: هو أنا في الشقين، فأنا محق فيما جئت به {إنه لا يفلح الظالمون}: 38لكافرون. -{وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين}:ك فاطبخ لي الآجُرّ {فاجعل لي صرحا} قصرا عاليا {لعلي أطلع إلى إله موسى} أنظر إليه وأقف عليه {وإني لأظنُّه من الكاذبين} في ادعائه إلها آخر وأنه رسوله. 39-{واستكبر هو وجنوده في الأرض} أرض مصر {بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لايرجعون} بالبناء للفاعل وللمفعول . 40- {فأخذناه وجنوده فنبذناهم}: طرحناهم {في اليم}: البحر المالح، فغرقوا {فانظر كيف كان عاقبة الظالمين} حين صاروا إلى الهلاك. 41-{وجعلناهم} في الدنيا {أئمَّة}، بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ياء: رؤساء في الشرك {يدعون إلى النار} بدعائهم إلى الشرك {ويوم القيامة لا ينصرون} بدفع العذاب عنهم.42- {وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة}: خزيا {ويوم القيامة هم من المقبوحين}: المبعدين. 43- {ولقد آتينا موسى الكتاب} التوراة {من بعد ما أهلكنا القرون الأولى}: قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم {بصائر للناس} حال من "الكتاب" جمع بصيرة وهي نور القلب، أي: أنوارا للقلوب {وهدى} من الضلالة لمن عمل به {ورحمة} لمن آمن به {لعلهم يتذكرن}: يتعظون بما في من المواعظ.